
فتح الله رمضاني
نظرا لأن دولة المؤسسات بالمغرب، هي انعكاس طبيعي للتوفيق بين مقومات الدولة التقليدية ومؤسساتها، من خلال الحفاظ على استمرار المظاهر الرمزية والمادية لتقليدانية الدولة، وبين ترسيخ مقومات الدولة الحديثة وشروطها، فإن تعيين السيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة، لا ينبغي النظر إليه باعتباره تطبيقا لمقتضيات دستور 2011، أو التعاطي معه وكأنه سابقة نسائية وفقط، بل يجب النظر إليه باعتباره حدثا سياسيا ومؤسساتيا يحمل دلالة أوسع، وهي الدلالة التي ترتبط بشكل مباشر بمسير تطور دولة المؤسسات بالمغرب. ذلك أن هذا التعيين لا يتعلق فقط بشخص من ستتولى رئاسة الحكومة، بل بما يمثله وصول امرأة إلى هذا الموقع من تحول ملحوظ في تمثل السلطة وممارستها داخل الدولة المغربية، حيث أن حضور امرأة في أعلى منصب بالسلطة التنفيذية بالبلاد يعتبر منعطفا جديدا في مسير التوفيق بين مقومات كل من الدولة التقليدية والدولة الحديثة بالمغرب، وبالتالي مدخلا لتغليب التوجه العصري داخل الدولة، وبطبيعة الحال ليس بمعنى القطيعة مع مقومات الدولة التقليدية أو مع استمراريتها التاريخية، ولكن بمعنى إعادة ترتيب العلاقة بين هذه المقومات وبين متطلبات الدولة الحديثة. إن ما يجعل استحضار طبيعة دولة المؤسسات بالمغرب أمرا ضروريا لفهم مغزى حدث تعيين امرأة في مهمة رئيس الحكومة، هو أن الدولة المغربية قد تجاوزت بالفعل مسألة تثبيت مؤسساتها الحديثة، حيث أصبحت مطالبة بتطوير طريقة اشتغال هذه المؤسسات، والانتقال بها من مجرد وجود مؤسساتي ودستوري إلى ممارسة فعلية للوظائف التي أنشئت لأجلها.فدولة المؤسسات بالمغرب، لم تتأسس من خلال قطيعة تاريخية مع ما سبقها، ولم تكن إقامتها مقرونة بإلغاء مقومات الدولة التي تشكلت عبر قرون خلت، ولكنها أسست عبر مسار من التراكمات، حافظت فيه الدولة على استمراريتها التاريخية، وعملت على تحديث أدواتها ومؤسساتها ووظائفها، هكذا حافظت المؤسسة الملكية على مكانتها المركزية داخل النظام السياسي والدستوري المغربي، ليس فقط باعتبارها مؤسسة ذات امتداد تاريخي ورمزي وديني ووطني، بل باعتبارها مؤسسة دستورية، كما تطورت داخل هذا النظام مؤسسات أخرى، كالبرلمان والحكومة والقضاء والإدارة والعديد من الهيئات الدستورية المستقلة، التي أصبحت تؤدي وظائفها وفق قواعد حديثة. على هذا الأساس، فإن نقاش دولة المؤسسات بالمغرب لا يرادف في معناه، الحديث عن وجود دولتين متناقضتين، واحدة تقليدية وأخرى عصرية حديثة، بل إن الأمر يتعلق بدولة واحدة تتطور أدواتها الداخلية ويعاد تنظيم وظائفها ومؤسساتها باستمرار.في هذا الإطار، ولئن كان هذا النقاش يفسر بشكل كبير خصوصية التجربة المغربية، فإنه يفسر كذلك أهمية ودلالة تعيين امرأة على رأس الحكومة في مغرب اليوم، فالأمر لا يتعلق فقط بكون المنصوري أول امرأة تشغل مهمة رئاسة الحكومة بالمغرب، بالرغم من أهمية ذلك من الناحية السياسية وحتى الرمزية، بل تتجسد أهمية هذا التعيين فيما يكشفه من تغيرات عميقة في مفهوم السلطة نفسه داخل الدولة المغربية. ذلك أن التمثلات التاريخية للسلطة في الدولة التقليدية، ارتبطت إلى حد كبير بصورة ذكورية، وبأنماط معينة في التنخيب وفي التداول على المسؤوليات، في حين أن الدولة الحديثة، تقوم على مجموعة من المرتكزات، أهمها تكريس مبدأ المساواة في الولوج إلى الوظائف العمومية وعلى اعتبار الكفاءة والجدارة معايير أساسية لممارسة الوظيفة السياسية والمؤسساتية.وبالتالي فإن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة لا يمثل فقط تطورا طبيعيا في مسير تمثيل النساء داخل مؤسسات الدولة، وإنما هو تحول نوعي في تصور من يمكنه أن يتولى ممارسة السلطة في المغرب من قمة السلطة التنفيذية، وهو التحول الذي يكشف أن منطق الدولة الحديثة قد أصبح أكثر قدرة على فرض معاييره داخل بنية الدولة المغربية، وأن مقومات الدولة الحديثة أصبحت تحتل موقعا مهما داخل التوازن العام الذي يحكم الدولة المغربية، وهو الموقع الذي عززته مقتضيات دستور 2011، فعندما تصبح الانتخابات مدخلا دستوريا لتشكيل الحكومة، وعندما تصبح رئاسة الحكومة وظيفة دستورية محددة، وعندما تتوسع وظائف البرلمان وأدوار الهيئات الإدارية المستقلة، وعندما يصبح الولوج إلى مواقع القرار أكثر انفتاحا على النساء، وعندما تصبح الكفاءة والحكامة عناصر أساسية في تقييم أداء الدولة، فإن ذلك لا يعني غير أن الدولة الحديثة أصبحت أكثر حضورا في طريقة اشتغال الدولة.
الخبر الجماعي الخبر الجماعي …أخبار خريبكة … الخبر اليقين