
فتح الله رمضاني
كيف يطلب من المغربي أن يمارس السياسة، في مغرب اليوم، وهو مقتنع بأنها ممارسة غريبة عن المعنى الذي يفهمه ويريده؟ كيف تطلبون منه أن ينخرط في لعبة، هو لا يملك السلطة ولا القدرة على تحديد قواعدها، ولا على مساءلة من يضعونها، ولا توضع أمامه أي ضمانات بأن مشاركته فيها ستؤثر فعلا في نتائجها؟ وكيف يطلب منه أن يؤمن بأهمية الفعل السياسي، وهو يرى الهوة تتسع يوما بعد يوم بين السياسة باعتبارها آلية لتدبير الشأن العام، والسياسة باعتبارها مجالا لتدبير مسارات الأفراد والمصالح وإعادة إنتاج المواقع والامتيازات؟ كيف يطلب من المغربي أن يثق في الأحزاب السياسية، وهو يرى أن غالبيتها لم تعد تنتج الأفكار بقدر ما تعيد تدوير الخطابات والشعارات والبرامج والبيانات، ولا تصنع النخب بقدر ما تعيد توزيع الامتيازات والمواقع، ولا تساهم في تأطير المواطن بقدر ما تنتظر المحطات الانتخابية لتتذكره ولتستحضر انتظاراته؟ كيف سيقتنع المغربي بأن الحزب السياسي وسيط بين الدولة والمجتمع، إذا كانت تمثيلية هذا الحزب للمجتمع غائبة داخل المؤسسات؟ أليس من حق هذا المغربي أن يتساءل حول طبيعة أزمة السياسة في المغرب، والتي بات الجميع اليوم يعدد أخطارها وتهديداتها، هل هي أزمة مشاركة شعبية، أم هي في الأصل أزمة عرض سياسي؟ فكيف يمكن مطالبته بالإقبال على سوق سياسية لا يعرض فيها ما يعبر عن انتظاراته، بل الأكثر من ذلك كيف يستقيم في ظل هذا الوضع تحميله مسؤولية العزوف عندما يرفض الاختيار بين بدائل لا يرى فيها أي اختلاف أو تباين؟ كيف يطلب من المغربي أن يمارس السياسة داخل أحزاب لا مكانة للاختلاف الفكري في ردهاتها؟ كيف سيؤمن بأن الأحزاب مدرسة للديموقراطية، إذا لم تكن الديموقراطية ثقافة يومية داخل هذه الأحزاب؟ وكيف يمكن لتنظيمات سياسية لا تقبل النقد الداخلي أن تقنعه برغبتها في الدفاع عن الاختلاف وعن التعددية داخل المجتمع؟ ثم كيف سيؤمن بأن الأحزاب فضاءات للتنخيب، إذا كانت آليات الارتقاء داخلها ترتكز على الولاءات أكثر مما ترتكز على الكفاءة والقدرة على الإبداع وعلى الاختلاف؟ كيف يطلب من المغربي أن يشارك في الانتخابات، وهو غير مهتم بمن سيفوز، ولا يبحث في الأصل عمن سيفوز، بل هو لا يهمه غير معرفة ماذا سيتغير بفوز من سيفوز؟ ما القيمة في أن يختار بين أحزاب لا يستطيع أن يميز بوضوح بين مشاريعها المجتمعية؟ فما المعنى في تعددية حزبية موضوعة أمامه، لكنها لا تنتج تعددية حقيقية في التصورات والاختيارات والسياسات؟ كيف يطلب من المغربي أن يتابع النقاشات السياسية، وجزء كبير منها يفتقر لمناقشة الأفكار، ويتمحور بشكل كبير على تبادل الاتهامات بين المتحاورين، كيف سيتابعها وهي خالية من كل صور مساءلة السياسات العمومية، ومشحونة بكل صور تصفية الحسابات الشخصية، فكيف سيجد هذا المغربي نفسه في السياسة وهي لا تطرح الأسئلة المهمة المتعلقة بالعدالة والحرية وتوزيع الثروة ودور ووظيفة الدولة، لتعوضها بسجالات عابرة لا تنتج معرفة ولا تبني معنى ولا موقفا؟ كيف يطلب من المغربي أن يؤمن بأن السياسة تعبير عن الإرادة العامة، وهو يلاحظ أن القدرة على التأثير في القرار ليست موزعة بشكل عادل بين جميع المواطنين؟ وأن هناك من يمتلك من الموارد والعلاقات ما يجعل صوته أعلى من أصوات آلاف المواطنين الذين لا يمتلكون ما يمتلكه؟ فالمساواة السياسية لا تتحقق بمجرد الاعتراف القانوني بها، ذلك أنها في حاجة إلى شروط اقتصادية واجتماعية وثقافية تجعل ممارستها مضمونة، فإذا كان القانون يمنح للجميع صوتا انتخابيا واحدا، فإن الواقع الاجتماعي لا يضمن لهم القدرة نفسها على التعبير عن ذلك الصوت؟ كيف يطلب من المغربي أن يؤمن بالمواطنة، وهو يعيش داخل مجتمع ما تزال فيه الفرص المتاحة للأفراد مرهونة ومحددة إلى حد بعيد بالفوارق الاجتماعية؟ كيف يمكن أن يكون مواطنا كامل القدرة على الاختيار، إذا كانت هشاشته الاقتصادية تجعله منشغلا بتدبير الأساسي والضروري من حياته اليومية، أكثر من انشغاله بالمشاركة في تدبير الشأن العام؟ أ وليست الكرامة شرط من شروط الاستقلالية السياسية؟ فكيف يطلب منه أن يكون حرا ومستقلا في اختياراته السياسية، من دون ضمان تحرره من الحاجة ومن الخوف والأهم من التبعية؟ كيف يطلب من المغربي أن يؤمن بأن هذا العزوف مشكلة أخلاقية تتعلق به؟ لماذا يوضع موضع اتهام عندما لا يشارك ولا يصوت، في حين لا تخضع أسباب ودوافع عزوفه لنفس الحجم من هذه المساءلة؟ ألا يمكن أن يكون هذا العزوف، عزوفا واعيا، وشكلا من أشكال الاحتجاج السياسي؟ ألا يمكن أن يكون هذا العزوف رفضا للبدائل المعروضة عليه وفقط، وليس رفضا لأهمية المشاركة في الاختيار كمبدأ؟ ثم هل يجوز اعتبار جميع الممتنعين عن المشاركة لا مهتمين ولا مبالين، من دون التمييز بينهم بين من لا يهتم بالشأن العام، ومن بلغ اهتمامه بهذا الشأن مبلغا جعله لا يقبل المشاركة وفق الشروط القائمة؟ على العموم، إن الديموقراطية لا تقوم فقط على ضمان حق المشاركة، بل إنها لا تقوم إلا على توفير الشروط التي تجعل من المشاركة ذات غاية وذات معنى، وعليه فإن السؤال الذي يجب البحث عن جواب عنه، ليس هو لماذا لا يشارك المغربي، أو لماذا لا يمارس المغربي السياسة؟ بل السؤال الذي يطرح نفسه اليوم، هو لماذا لم تعد السياسة في المغرب قادرة على إقناع المغربي بأهمية وضرورة ممارستها.
الخبر الجماعي الخبر الجماعي …أخبار خريبكة … الخبر اليقين