الأخبار
الرئيسية / الرئيسية / ملتقى علمي يسلط الضوء على الذاكرة والامتداد الروحي بالشاوية:”الشيخ البوعزاوي .. الصوفي والمجاهد”

ملتقى علمي يسلط الضوء على الذاكرة والامتداد الروحي بالشاوية:”الشيخ البوعزاوي .. الصوفي والمجاهد”

متابعة: فاطمة بوزيد

احتضن مقر الزاوية البوعزاوية بـ “المجني” في منطقة أولاد سعيد، يوم السبت 18 أبريل 2026، فعاليات الملتقى 22 للذاكرة والتراث الثقافي، دورة أولاد سعيد بإشراف علمي لمختبر السرديات وجمعية البحث ملتقى الذاكرة والتاريخ ونادي القلم المغربي، وضمن الدورة الأولى للزاوية البوعزاوية وتنظيم جمعية أولاد سعيد الشاوية في موضوع (الزاوية البوعزاوية، الامتداد الروحي والذاكرة).وفي كلمته عن اللجنة العلمية للملتقى، وقف الأستاذ إدريس قصوري (جامعة الحسن الثاني-مختبر السرديات) عند سؤال جوهري: كيف ندافع عن هويتنا وقيمنا إن لم نعرف تاريخنا؟ وأكد أن معرفة الماضي ليست رفاهية فكرية وإنما هو ضرورة حياتية، مشيرا إلى أن الزاوية البوعزاوية أدركت هذا قبل أن تظهر المدرسة النظامية، فكانت فضاء للتعليم والتربية وغرس القيم. وتوقف عند دلالة الريشة والقلم، مبينا أنهما لم يكونا منفصلين عن الجهاد، إذ لا كفاح بلا وعي ولا دفاع عن الهوية بلا معرفة بالأصول. ورأى أن منهج الشيخ البوعزاوي كان متكاملا، جمع فيه بين الفقه والتصوف وبين العلم والعمل، مخرجا التصوف من العزلة إلى الانخراط في قضايا الوطن.وفي الجلسة العلمية التي أدارها الأستاذ نور الدين فردي (باحث متخصص في تاريخ منطقة الشاوية)، كان الحديث عن المكان أولا.. إذ أكد أن فضاء” المجني” شاهد على انتفاضات شعبية انطلقت منذ 1903، وعلى قرارات عسكرية حاسمة لمواجهة الاحتلال، وكان مقرا للحركة الحافظية في لحظات فارقة. ثم استهل الأستاذ حكيم الفضيل الإدريسي ( جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء) أشغال الجلسة العلمية بورقة بحثية تناولت أعماق أصول علم التزكية في التجربة الصوفية المغربية. وقد أوضح الأستاذ في عرض مفعم بالاستدلال أن التصوف في مسارنا المغربي لم يكن يوما بمعزل عن أحكام الدين، بل قام تاريخيا على معادلة دقيقة تجمع بين ظاهر الشريعة المنضبط وباطنها الذي يغذي الروح، جاعلا الغاية الكبرى من هذا المسار هي تربية النفوس وتطهير القلوب من أدرانها. وتوقف الباحث عند شخصية الشيخ البوعزاوي، مبرزا أنه كان حلقة وصل في سلسلة ذهبية تحمل سندا متصلا يمتد من شيخ إلى شيخ حتى الوصول إلى حضرة النبي صلى الله عليه وسلم، مشددا على أن هذا السند ليس مجرد أسماء تسرد، بل هو نقل حي لنبض التجربة الروحية التي توارثتها الأجيال بصدق وإخلاص. وفي لفتة تربوية بالغة الأهمية، وأكد الفضيل الإدريسي أن الطالب الذي يطرق أبواب هذه الطريقة لا يمكنه سلوك المسار وحيدا، بل هو في حاجة ماسة الى مرب خبير يأخذ بيده في دروب التزكية الوعرة. وختم مداخلته بالقول إن هذا العلم لا يستقى من بطون الكتب الجامدة، بل هو جوهرة لا تنال إلا بالتلقي المباشر عن شيخ رباني عاش التجربة بنفسه وأتقن مفاتيحها ليورثها لمريديه.وتناول الأستاذ الجيلالي كريم، ( أستاذ باحث في التاريخ)، تراث الشيخ محمد بن الطيب البوعزاوي، مصوبا اهتمامه نحو البعد الوجداني العميق في حياته وتعلقه الفريد بالسيرة النبوية. وأوضح الباحث أن الشيخ الذي ولد حوالي سنة 1850 وعاصر خمسة ملوك في حياته، عاش في فترة دقيقة من تاريخ المغرب، وكان مسكونا بحب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو حب لم يكن عاطفة عابرة بل كان الوقود الذي أشعل فيه جذوة الإبداع. وقد أفرز هذا الوجد الصادق قصائد مدحية مهمة وظفها الشيخ منهجا تربويا متكاملا لتهذيب نفوس مريديه وتخليصها من علائق الدنيا، حيث جعل المحبة النبوية هي الميزان الذي تضبط به القلوب إيقاعها. ومن أبرز ما خلد ذكراه هو همزيته الشهيرة في مدح النبي، تلك القصيدة التي لا تزال تحفظها الصدور والأجيال حتى اليوم وتتردد في مجالس الذكر. وأكد الأستاذ كريم أن هذه الهمزية ليست مجرد نصوص أدبية، بل هي مرآة تعكس عمق ارتباط الشيخ بالجناب النبوي الشريف، وكيف استطاع أن يجعل من محبة الرسول محورا أساسيا لتربية المريدين وتنشئتهم روحيا ووجدانيا، مما جعل تجربته الشخصية نموذجا حيا يربط الأتباع بسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم في كل تفاصيل حياتهم اليومية وسلوكهم الشخصي.وكشف الأستاذ محمد نعايم، ( أستاذ باحث في التاريخ والتصوف) عن ملامح المنهج التربوي الرصين للشيخ البوعزاوي من خلال قراءة فاحصة في كتابه رسالة المريد في منهل أهل التجريد. وقد أوضح الباحث أن الشيخ وضع خارطة طريق للنفس البشرية تسير في ثلاث محطات متكاملة لا يقبل بعضها التجزئة عن البعض الآخر، فتبدأ رحلة المريد أولا بالتخلي عن الرذائل والأخلاق الذميمة التي تكبل الروح، ثم الانتقال إلى مرحلة التحلي بالفضائل والقيم النبيلة التي تسمو بالفرد، وصولا إلى مقام التجلي الروحي حيث يصفو القلب ويصبح المريد أهلا للتلقي المعرفي الحقيقي. ولم يكتف الشيخ بهذا الجانب، بل استطاع بحنكته التربوية أن يجمع في منهجه بين صرامة المعقول وسعة المنقول، وبين دقة الذوق وصدق الوجدان، ليصيغ في النهاية نموذجا بشريا متوازنا يرفض الانفصام بين العلم والعمل. ففي نظر الشيخ، لا قيمة لعلم لا يترجم إلى سلوك قويم، ولا لعمل يفتقر إلى البصيرة العلمية، وبذلك خلق مدرسة تخرج الإنسان الذي يجمع في جوهره بين رسوخ العالم وتواضع العارف، ليصبح الفرد قادرا على الانخراط في هموم مجتمعه بروح متوقدة وعقل ناضج وقلب سليم، وهي الغاية التي توخاها الشيخ عبر منهجه الفريد الذي لا يزال يقدم دروسا بليغة لكل الباحثين عن التوازن النفسي والروحي في حياة مليئة بالتحديات والتقلبات.وأضاءت مداخلة الأستاذ عز الدين المعتصم، (استاذ باحث في الثقافة) الجانب الجمالي والوجداني الذي يزخر به ديوان الشيخ محمد بن الطيب البوعزاوي، كاشفة عن أبعاد إبداعية لم تكن مجرد نصوص بلاغية. وقد أوضح الباحث أن الشيخ لم يكن ينظر إلى الشعر كترف أدبي أو وسيلة للتسلية اللغوية، بل اتخذه أداة روحية وتربوية دقيقة لصياغة شخصية المريد، حيث تغلغل في وجدان الأتباع بلغة رقيقة وشفافة. وبين المتحدث أن الخطاب الصوفي في هذا الديوان يمتلك قدرة عجيبة على الجمع بين رقة العاطفة التي تهز الوجدان وبين عمق المعاني التي تفتح بصيرة العقل، في نسيج لغوي يخاطب القلوب قبل العقول، مما يجعله ينفذ إلى الأعماق بيسر وسلاسة. وبفضل هذا المزج الفريد، تحول ديوان الشيخ عبر العقود إلى مرجع تربوي حي لا يكتفي الناس بقراءته، بل يتداولونه جيلا بعد جيل، ليصبح في كل بيت من بيوت المريدين كتابا للتهذيب وسلوى للروح. لقد استطاع الشيخ البوعزاوي من خلال قصائده أن يفتح آفاقا واسعة للتأمل، محولا الكلمة الموزونة إلى ميزان يزن به المريد سلوكه وأحواله، مما يؤكد أن كلماته كانت تعبر عن تجربة حية نابعة من قلب عاش الحقيقة وتذوق أنوارها، فظل ديوانه نبراسا يضيء طريق السائرين الباحثين عن الجمال وسط صخب الحياة.فيما ختم الأستاذ محمد معروف الدفالي، (مؤرخ وأستاذ بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء)، أشغال الجلسة بإشارات تاريخية عميقة ومركزة سلطت الضوء على الدور المحوري الذي لعبته منطقة أولاد سعيد في مسيرة المقاومة الوطنية والفداء ضد الاستعمار. وقد أوضح الأستاذ كيف استطاع الشيخ البوعزاوي أن يمارس دورا قياديا وتعبويا في صفوف الفلاحين، إذ لم يكتف بدور المربي الصوفي داخل الزاوية، بل كان صوتا قويا في مواجهة الظلم والقهر، جامعا في شخصيته بين الوظيفة التربوية الروحية والوظيفة الجهادية الوطنية التي تذود عن حمى الوطن. وشدد الدفالي في مداخلته على أن هذا التاريخ لم يكن حكرا على الرجال، بل كانت للمرأة بصمة بارزة، إذ لم ينس أن ينصف دور النساء والجدات اللواتي كن السند الحقيقي والحاضنة الصابرة لهذا الكفاح الوطني المرير. لقد كانت إشاراته بمثابة دعوة صريحة لإعادة قراءة التاريخ المحلي، مؤكدا أن نضالات هذه المنطقة وتضحيات أهلها ظلت لفترة طويلة بعيدة عن الاعتراف الذي تستحقه في السردية الوطنية الرسمية. وبهذه الوقفة التاريخية التي جمعت بين الإنصاف والتوثيق، رسم الأستاذ الدفالي صورة حية للزاوية كحصن للمقاومة ومركز للإشعاع الروحي، مؤكدا أن قوة الزاوية كانت تكمن في قدرتها على التفاعل مع آلام الناس وآمالهم في لحظات المواجهة الصعبة. عرف اللقاء معرضا لكتب الشاوية (بإشراف أحمد الناهي)، ومعرضي للوثائق التاريخية أشرف عليه محمد الدلوادي، وتوقيع كتابين بهذه المناسبة.

عن Zwawi

شاهد أيضاً

أمن قصبة تادلة يوقف تلاثة من أكبر مروجي المخدرات الصلبة وغيرها في المنطقة

مصطفى خيار أمن فصبة تادلة يوقف يوم الجمعة17 أبريل الجاري في وقت قياسي، لم يتجاوز …

اترك تعليقاً